محمد خليل المرادي

26

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

هذا وكم نمّقت أفكاره في جنح غلس الديجور . ما هو واقع في النفوس من حور الحور . وكم روى غليل الأفهام بسلسل تقريره . وحلّى أجياد الأقلام بعقود تحريره . وكم طافت أفهام الطلّاب بكعبة حقائقه وعلومه . وسعت أفكار بني الآداب بين صفا منثوره ومروة منظومه . فلا زالت الأيّام باسمة الثغور بمعاليه . والأنام حالية النحور بمنن أياديه . ولا برح سرادق مجده الشامخ مضروبا على هام المجرّة والسماك . وشرف فضله الباذخ منوطا بمستقرّ الشمس من الأفلاك . وهيهات ، قصّر لسان البلاغة عن بلوغ شكره . وعجز عن القيام بواجب حقّه وبرّه . فلم أر لسانا إلّا وهو مشغول بشكر أياديه . ولم أسمع بيانا إلّا وهو مقصور على نشر معاليه . هو جناب المولى المشار إليه . دامت النعم متوالية عليه . ولأفتى علما للعلماء يهتدون بأنواره ، وقدوة للفضلاء يقتدون بآثاره . من محب يرى أن لا طيب إلّا شذا عبير ترابه ، ولا نجيب إلّا من تشرّف بلثم أعتابه . وأقسم بمن جعل محاسن الدنيا في بهجة ذاته محصورة ، وأسباب العليا على ملازمة أعتابه مقصورة . أنّ عقد عبوديّتي عقد لا تتطاول إليه الأيّام بفسخ . وعهد مودّتي عهد لا تتوصّل إليه الحوادث بنسخ . كيف وقد رفع بفضله قدري . وشرح بعلمه وآدابه صدري . وسقاني كئوس الآداب وكانت أحشائي صادية ، وكساني حال الوقار وكانت مساوي بادية . ولعمري مهما نسيت فلا أنسى طيب أيّامي في شرف خدمته ، والتقاطي أفخر الدرّ من بحار مذاكرته . فطالما جنيت من محاضرته ثمار فوائد مائسات الأعطاف . وقطفت من مذاكرته أزهار فرائد مستعذبات الجني والقطاف . فاللّه تعالى يزيد باع مجده امتدادا . وشعاع فضله سطوعا وازديادا . وغاية جهد أمثالي دعاء يدوم مدى الليالي أو مديح . هذا وإنّ المشوّق من حين فراقكم لم يزل بنار الجوى يتقلّب ، وفؤاده من ألم النّوى بجمر الغضا يتلهّب . كيف وقد غلب الوجد ، وغاض الجلد ، ولازم السهاد . وفاض الكمد . وجفا الجفن الكرى فما كرّ . وخان الصبر فما ثبت ولا استقرّ . وليس يبرد بغير لقائكم غليله ، ولا يشفى بغير رؤياكم غليله . ولا يشفى بغير رؤياكم عليله . فإنّ شوقه إليكم قد زاد عن حدّه . وغرامه بكم لا ينبغي لأحد من بعده . فلذا خدم الجناب بهذه الفقرات المغتلة . وتهجّم بهذه السجعات المعتلّة . اعتضادا بلطائف حسن شيمكم . واعتمادا على عواطف سحب كرمكم . ثم غلبه الوجد وفاض عليه الهيام . ففاه بأبيات من هذر الكلام . وإن لم يكن من أهل هذه الصناعة . لقصر باعه وقلّة البضاعة . على أنّ من تجرّع مرارة كأس فراقكم لا يلام ، وإن تعدّى الصواب وأخطأ المرام . مع علم سيّدي بأنّه لم يفه لساني قبل بشيء من الشعر ، فليعامل مملوكه بالإغضاء والستر . فقلت قيمنا ومضمنا منها البيت الأخير . رجاء أن يقرب اللّه ساعات الاجتماع . إنّه ولي التيسير ، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير :